فصل: أما القتل العمد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.القصاص بين الجاهلية والإسلام:

قام نظام القصاص في العرب على أساس أن القبيلة كلها تعتبر مسئولة عن الجناية التي يقترفها فرد من أفرادها، إلا إذا خلعته وأعلنت ذلك في المجتمعات العامة.
ولهذا كان ولي الدم يطالب بالقصاص من الجاني وغيره من قبيلته، ويتوسع في هذه المطالبة توسعا ربما أوقد نار الحرب بين قبيلتي الجاني والمجني عليه.
وقد تزداد المطالبة بالتوسع إذا كان المجني عليه شريفا أو سيدا في قومه.
على أن بعض القبائل كثيرا ما كان يهمل هذه المطالبة، ويبسط حمايته على القاتل ولا يعير أولياء المقتول أي اهتمام، فكانت تنشب الحروب التي تودي بأنفس الكثير من الابرياء.
فلما جاء الإسلام وضع حدا لهذا النظام الجائر، وأعلن أن الجاني وحده هو المسئول عن جنايته، وهو الذي يؤخذ بجريرته فقال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يأولي الالباب لعلكم تتقون}.

.إذا اختاروا القصاص دون العفو:

قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لاحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت، وأمرهم أن يتبارأوا انتهى.
والآية تشير إلى ما يأتي:
1- أن الله سبحانه أبطل النظام الجاهلي، وفرض المماثلة والمساواة في القتلى.
فإذا اختاروا القصاص دون العفو، فأرادوا إنفاذه، فإن الحر يقتل إذا قتل حرا، والعبد يقتل إذا قتل عبدا مثله، والمرأة تقتل إذا قتلت امرأة.
قال القرطبي: وهذه الآية جاءت مبينة حكم النوع إذا قتل نوعه فبيتت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قتل الآخر.
فالآية محكمة، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} إلى آخر الآية.
وبينه النبي صلى الله عليه وسلم لما قتل اليهودي بالمرأة. قاله مجاهد.
2- فإذا عفا ولي الدم عن الجاني فله أن يطالبه بالدية على أن تكون المطالبة بالمعروف، لا يخالطها عنف ولا غلظة، وعلى القاتل أداء الدية إلى العافي بلا مماطلة ولابخس.
3- وهذا الحكم الذي شرعه الله من جواز القصاص والعفو عنه إلى الدية تيسير من الله ورحمة حيث وسع الأمر في ذلك، فلم يحتم واحدا منهما.
4- فمن اعتدى على الجاني فقتله بعد العفو عنه، فله عذاب أليم، إما بقتله في الدنيا أو عذابه بالنار في الآخرة.
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال: كان في بني اسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: {كتب عليكم القصاص في القتلى} الآية
{فمن عفي له من أخيه شئ} قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف أن يتبع الطالب بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان. {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} فيما كتب على من كان قبلكم.
5- وقد شرع الله القصاص لأن فيه الحياة العظيمة، والبقاء للناس، فإن القاتل إذا علم أنه سيقتل ارتدع، فأحيا نفسه من جهة، وأحياء من كان يريد قتله من جهة أخرى.
6- وقد أبقى الإسلام جعل الولاية في طلب القصاص لولي المقتول على على ما كان عليه عند العرب.
يقول الله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا}.
والمقصود بالولي هو من له القيام بالدم، وهو الوارث للمقتول، فهو الذي له حق المطالبة دون السلطة الحاكمة، فلو لم يطالب هو بالقصاص فإنه لا يقتص من الجاني.
والسلطان: التسلط على القاتل، وإنما كان ذلك كذلك مخافة أن يصدر العفو من غير رضا منه، وهوالذي اكتوى بنار الجريمة فتثور نفسه ويعمد إلى الاخذ بالثأر، ويتكرر القتل والاجرام.
7- قال صاحب المنار معلقا على هذه الآية: فالآية الحكيمة قررت أن الحياة هي المطلوبة بالذات، وأن القصاص وسيلة من وسائلها، لأن من علم أنه إذا قتل نفسا يقتل بها يرتدع عن القتل، فيحفظ الحياة على من أراد قتله وعلى نفسه، والاكتفاء بالدية لا يردع كل أحد عن سفك دم خصمه إن استطاع.
فإن من الناس من يبذل المال الكثير لاجل الايقاع بعدوه.
وفي الآية من براعة العبارة وبلاغة القول ما يذهب باستبشاع إزهاق الروح في العقوبة.
ويوطن النفس على قبول حكم المساواة، إذ لم يسم العقوبة قتلا أو إعداما، بل سماها مساواة بين الناس تنطوي على حياة سعيدة لهم القصاص في النفس ليس كل اعتداء على النفس بموجب للقصاص، فقد يكون الاعتداء عمدا، وقد يكون شبه عمد، وقد يكون خطأ، وقد يكون غيرذلك.
ومن ثم وجب أن نبين أنواع القتل، ونبين النوع الذي يجب القصاص بمقتضاه.

.أنواع القتل:

القتل أنواع ثلاثة:
1- عمد.
2- شبه عمد.
3- خطأ.

.القتل العمد:

فالقتل العمد هو: أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما يغلب على الظن أنه يقتل به.
ويفهم من هذا التعريف أن جريمة القتل العمد لا تتحقق إلا إذا توفرت فيها الاركان الآتية:

.1- أن يكون القاتل عاقلا بالغا قاصدا القتل:

أما اعتبار العقل والبلوغ، فلحديث علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
وأما اعتبار العمد، فلما رواه أبو هريرة رضي الله عنه.
قال: قتل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله، والله ما أردت قتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للولي: «أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار» فخلاه الرجل، وكان مكتوفا بنسعة فخرج يجر نسعته. قال: فكان يسمى ذا النسعة رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، والترمذي وصححه.
وروى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول».
وروى ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل عامدا فهو قود، ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولاعدلا».

.2- أن يكون المقتول آدميا ومعصوم الدم:

أي أن دمه غير مباح.

.3- أن تكون الاداة التي استعملت في القتل مما يقتل بها غالبا:

فإذا لم تتوفر هذه الاركان. فإن القتل لا يعتبر قتلا عمدا.
أداة القتل: ولا يشترط في الاداة التي يقتل بها سوى أنها مما تقتل غالبا، سواء أكانت محددة أم متلفة لتماثلهما في إزهاق الروح.
وقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رض رأس يهودي بين حجرين، وكان فعل ذلك بجارية من الجواري.
وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، والشعبي، والنخعي، الذين يقولون بأنه لا قصاص في القتل بالمثقل.
ومن هذا القبيل القتل بالاحراق بالنار، والاغراق بالماء، والالقاء من شاهق، وإلقاء حائط عليه، وخنق الانفاس، رحبس الإنسان، ومنع الطعام والشراب عنه حتى يموت جوعا، وتقديمه لحيوان مفترس.
ومنه ما إذا شهد الشهود على إنسان معصوم الدم بما يوجب قتله، ثم بعد قتله يرجعون عن الشهادة، ويقولون: تعمدنا قتله، فهذه كلها من الادوات التي غالبا ما تقتل.
ومن قدم طعاما مسموما لغيره، وهو يعلم أنه مسموم، دون آكله، فمات به، اقتص منه.
روى البخاري ومسلم: «أن يهودية سمت النبي صلى الله عليه وسلم في شاة، فأكل منها لقمة، ثم لفظها، وأكل معه بشر بن البراء، فعفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها» أي أنه عفا عنها قبل أن تحدث الوفاة لواحه ممن أكل فلما مات بشر بن البراء قتلها به.
لما رواه أبو داود: «أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلها».

.القتل شبه العمد:

والقتل شبه العمد: هو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما لا يقتل عادة، كأن يضربه بعصا خفيفة أو حجر صغير، أو لكزه بيده، أو سوط ونحو ذلك.
فإن كان الضرب بعصا خفيفة أو حجر صغير ضربة أو ضربتين فمات من ذلك الضرب، فهو قتل شبه عمد.
فإن كان الضرب في مقتل أو كان المضروب صغيرا أو كان مريضا يموت من مثل هذا الضرب غالبا، أو كان قويا، غير أن الضارب والى الضرب حتى مات فإنه يكون عمدا.
وسمي يشبه العمد، لأن القتل متردد بين العمد والخطأ، إذ أن الضرب مقصود، والقتل غير مقصود.
ولهذا أطلق عليه شبه العمد، فهو ليس عمدا محضا، ولاخطأ محضا.
ولما لم يكن عمدا محضا سقط القود، لأن الاصل صيانة الدماء فلا تستباح، إلا بأمر بين.
ولما لم يكن خطأ محضا، لأن الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلظة.
روى الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط، فهو دية مغلظة في أسنان الإبل».
وأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بين شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عقل شبه العمد مغلظ، كعقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون الدماء في غير ضغينة ولاحمل سلاح».
وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال: «ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر».

.القتل الخطأ:

والقتل الخطأ هو: أن يفعل المكلف ما يباح له فعله، كأن يرمي صيدا، أو يقصد غرضا، فيصيب إنسانا معصوم الدم فيقتله، وكأن يحفر بئرا، فيتردى فيها إنسان، أو ينصب شبكة - حيث لا يجوز - فيعلق بها رجل فيقتل، ويلحق بالخطأ القتل العمد الصادر من غير مكلف، كالصبي والمجنون.

.الآثار المترتبة على القتل:

قلنا إن القتل: عمد، وشبه عمد، وخطأ.
ولكل نوع من هذ الانواع الثلاثة آثار تترتب عليه.
وفيما يلي نذكر أثر كل نوع.

.موجب القتل الخطأ:

إن القتل الخطأ يوجب أمرين: أحدهما الدية المخففة على العاقلة، مؤجلة في ثلاث سنين.
وسيأتي ذلك حين الكلام على الدية.
ثانيهما الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المخلة بالعمل والكسب، فان لم يجد صام شهرين متتابعين.
وأصل ذلك قول الله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما}.
وإذا قتل جماعة رجلا خطأ.
فقال جمهور العلماء: على كل واحد منهم الكفارة.
وقال جماعة: عليهم كلهم كفارة واحدة.
الحكمة في الكفارة: قال القرطبي: واختلفوا في معناها فقيل: أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل.
وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم.
وقيل: أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة، والتصرف فيما أحل له تصرف الاحياء،
وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية - صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا - ما يتميز به عن البهائم والدواب.
ويرتجى - مع ذلك - أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة.
وأى واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ، فالقاتل عمدا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه. اه ووسيأتي بيان هذا.

.موجب القتل شبه العمد:

والقتل شبه العمد يوجب أمرين:
1- الاثم، لأنه قتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق.
2- الدية المغلظة على العاقلة - على ما سيأتي.

.أما القتل العمد:

فإنه يوجب أمورا أربعة:
1- الإثم.
2- الحرمان من الميراث والوصية.
3- الكفارة.
4- القود أو العفو.
فلا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئا، لا من ماله ولا من ديته إذا كان من ورثته سواء أكان القتل عمدا أم كان خطأ.
وقاعدة الفقهاء في ذلك: من استعجل الشئ قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وروى البيهقي عن خلاس أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له إخوته: لاحق لك، فارتفعوا إلى علي كرم الله وجهه فقال له علي رضي الله عنه: حقك من ميراثها الحجر، فأغرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئا.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس للقاتل من الميراث شئ».
والحديث معلول وقد اختلف في رفعه ووقفه، وله شواهد تقويه.
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس للقاتل شئ، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئا» وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم.
وكذلك الأحناف والشافعية، وذهبت الهادوية والإمام مالك إلى أن القتل إن كان خطأ ورث من المال دون الدية، وقال الزهري وسعيد بن جبير وغيرهما: لا يحرم القاتل من الميراث.
وكذلك تبطل الوصية إذا قتل له الموصى له الموصي.
قال في البدائع: القتل بغير حق جناية عظيمة تستدعي الزجر بأبلغ الوجوه، وحرمان الوصية يصلح زاجرا كحرمان الميراث فيثبت.
وسواء أكان القتل عمدا أم خطأ لأن القتل الخطأ قتل وأنه جاز المؤاخذة عليه عقلا، وسواء أوصى له بعد الجناية أو قبلها.